فصل: تفسير الآيات (1- 16):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.سورة الطور:

نزولها: مكية.
عدد آياتها: تسع وأربعون.. آية عدد كلماتها: ثلاثمائة واثنتا عشرة كلمة.
عدد حروفها: ألف وخمسمائة حرف.
مناسبتها لما قبلها:
ختمت سورة الذاريات التي سبقت هذه السورة بقوله تعالى: {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ}.
وفى هذا تهديد ووعيد لأهل الكفر والضلال، بالعذاب الذي أنذروا به، والذي ينتظرهم يوم القيامة.
وقد بدئت سورة الطور هذه، بهذه الأقسام، التي أقسم سبحانه وتعالى بها، وأوقعها على وقوع العذاب بأهل الكفر والضلال يوم القيامة، وأنه واقع لا شك فيه.. {إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ}.
فالسورتان تتلاقيان ختاما وبدءا، حتى لكأنهما سورة واحدة.
وإن الذي ينظمهما في التلاوة، دون أن يفصل بينهما بالبسملة، ليجد هذا الترابط الوثيق بينهما، فلا يشعر بأن سورة قد انتهت وأخرى قد بدأت.
وهذا- في رأينا- دلالة قاطعة على أن ترتيب السور في المصحف الكريم، هو توفيقىّ من عند اللّه، وبعمل الرسول، تماما كترتيب الآيات في سورها، وأن الخلاف الذي يدور حول ترتيب السور، وأنه توقيفى ينبغى أن يرتفع، مع قيام هذه الشواهد التي نراها في تلاحم السور من أول فاتحة الكتاب إلى سورة الناس.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.

.تفسير الآيات (1- 16):

{وَالطُّورِ (1) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (7) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (8) يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (9) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (10) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (14) أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (16)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ}.
الطور: هو طور سينين، أو سيناء.
وكتاب مسطور: هو جنس ما يكتب من الكتب، ولهذا جاء منكّرا موصوفا بأنه مكتوب في رق منشور- وهو ما يكتب عليه من جلد رقيق.
وفى وصف الكتاب بأنه مسطور، إشارة إلى أنه مكتوب كتابة في أسطر على نحو ما يكتب الكاتبون.
وفى وصفه بأنه في رق منشور- إشارة أخرى إلى أنه خفيف الحمل، سهل التداول، وأنه منشور، أي مفتوح للقارئين، غير مطوى عنهم.
وفى هذا كله تنويه بالكتابة ورفع لقدرها، وأنها باب واسع من أبواب العلم، وطريق فسيح من طرق المعرفة.
وليس هذا بالأمر المستغرب من رسالة افتتحت بهذا الأمر من رب العالمين، إلى النبيّ الأمىّ في قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ} [1- 5: العلق] ثم تلا هذا الأمر قسم بالكتابة وأدواتها من حروف وأقلام، فقال تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ} [1- 2: القلم].
فالكتابة نعمة من نعم اللّه العظمى على الإنسان، تكمل بها نعمة الكلمة التي وضعها سبحانه وتعالى في فم الإنسان.
فلا عجب إذن أن يقسم اللّه سبحانه وتعالى بالكتاب، من حيث هو جنس عام لكل ما يكتب، وأن ينظمه في نسق واحد، مع هذه المعالم المباركة، التي أقامها اللّه سبحانه، هدى، ورحمة للناس.. كالطور، والبيت المعمور، والسقف المرفوع، والبحر المسجور.
والبيت المعمور: هو البيت الحرام، الذي عمره اللّه سبحانه وتعالى بالواردين عليه، من المؤمنين، وبما يذكرون اللّه فيه.
والسقف المرفوع: هو السماء. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً} [32: الأنبياء].. وقوله سبحانه: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها} [2: الرعد].
والبحر المسجور: هو البحر المحيط بهذا العالم الأرضى.. والمسجور:
المربوط، المحبوس عن مفارقة الأرض، والانفلات منها، وهو كائن مائع، لا تمسكه إلا قدرة القادر.
تمور السماء مورا: أي تضطرب اضطرابا، وتموج موجا.
يدعون إلى نار جهنم دعّا: أي يدفعون إليها دفعا شديدا.
فالطور، والكتاب المسطور، والبيت المعمور، والسقف المرفوع، والبحر المسجور، أقسام خمسة، أقسم اللّه سبحانه وتعالى بها، وهى بهذا القسم من اللّه سبحانه تلبس ثوب التكريم، والتعظيم، وفى تكريمها وتعظيمها، إشعار بعظمة الخالق، وجلاله، الذي أبدع هذه المخلوقات العظيمة، وأقامها هذا المقام الكريم، حتى لقد كانت أهلا لأن يقسم خالقها بها، ويعرضها في هذا المعرض الكريم.
هذا، ويلاحظ أن سورة الذاريات قد بدئت بأربعة أقسام من الخالق جل وعلا على أربعة مخلوقات من مخلوقانه: الذاريات ذروا.
فالحاملات وقرا.. فالجاريات يسرا.. فالمقسّمات أمرا.
وقد أوقع اللّه سبحانه وتعالى هذه الأقسام الأربعة على وقوع الدينونة، وحساب الناس وجزائهم يوم القيامة.
ثم أتبع سبحانه وتعالى هذه الأقسام بقسم خامس، هو قوله سبحانه والسماء ذات الحبك.. وأوقع سبحانه هذا القسم على اختلاف الناس، وأنهم فريقان: مؤمن وكافر: {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ}.
وفى سورة الطور هنا، بدأها اللّه سبحانه وتعالى بخمسة أقسام.. ثم أوقع هذه الأقسام على وقوع العذاب، الذي هو وجه من وجهى الجزاء يوم القيامة.
ووقوع العذاب يوم القيامة، يعنى وقوع هذا اليوم، ويعنى البعث، والحساب.
وعلى هذا- واللّه أعلم- يكون القسم الخامس هنا مراعى فيه تلك الإضافة الجديدة على ما وقع عليه القسم في سورة الذاريات، وهو وقوع العذاب بأهله الكافرين الضالين، على حين تكون الأقسام الأربعة، مؤكّدة للأقسام الأربعة، التي جاءت في تلك السورة، والتي وقعت على الإخبار بمجيء يوم القيامة.. أما القسم الخامس الذي جاء في سورة الذاريات واقعا على اختلاف الناس، وافتراقهم إلى فرقتين: مؤمنين وكافرين، فهو تمهيد للقسم الخامس الذي ورد في سورة الطور واقعا على ما يلقاه فريق من أحد الفريقين- وهو فريق الكافرين- من عذاب واقع في هذا اليوم.
وقوله تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً} هو بيان لما يقع في هذا اليوم من أحداث تتغير بها معالم الوجود. {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ} [48: إبراهيم].
هذا الانقلاب في عوالم الوجود يوم القيامة.. ما تأويله؟
وهذا الذي يحدث من تغيّرات في معالم الوجود يوم القيامة، هو- واللّه أعلم- نتيجة لتغير مدركات الناس، في هذا اليوم، بانتقالهم من عالم المادة إلى عالم الروح، الأمر الذي يرى فيه الناس بأرواحهم المطلقة من قيد المادة، ما لم يكونوا يرونه في الحياة الدنيا.
وهذا يعنى أن اختلاف الرؤية للأشياء من حيث مطالعها، ومن حيث الحواسّ والمشاعر المتعاملة معها، والمتلقّية لها- هو الذي يرى الإنسان هذه التغيّرات التي يراها في نظام الوجود.. تماما، كما يرى الإنسان الأشياء من خلال مجهر، أو من خلال منشور زجاجى، أو جسم شفاف ملون.
أو مرآة محدبة أو مقعرة.. ونحو هذا.. إنه يراها في كل مرة على صورة مخالفة لما كان يراها عليه من قبل بعينيه المجردتين، وعلى صورة مباينة أيضا لما يراها عليه من خلال أي شيء من تلك الأشياء.. وهى هي لم تتغير ولم تتبدل، وإن بدت أنها متغيرة متبدلة.
والذي يقول به بعض الحكماء والفلاسفة، من أن الموجودات، لا وجود لها في حقيقتها، وإنما هي موجودة بفعل حواسنا، وأنه لولا هذه الحواس، لما كان لها وجود.. ويضربون لهذا أمثلة، بأن فاقد البصر أصلا ينكر وجود النور، كما أن فاقد حاسّة الشمّ يغيب من عالمه عالم المشمومات.. وقلّ مثل هذا في بقية الحواس، من اللمس والذوق، والسمع- نقول إن هذا الذي يقول به بعض الحكماء والفلاسفة، يشير إلى شيء من هذا الذي نتحدث عنه من أن الاختلاف الذي يقع في حواسنا للموجودات، بين ما نراه منها في الدنيا، وما نراه منها في الآخرة هو من عمل حواسنا، وإن كنا نخالفهم فيما يذهبون إليه من إنكار الموجودات أصلا.. فإن إنكار هذه الموجودات يستلزم- تبعا لهذا- إنكار وجودهم هم أنفسهم، وإنكار هذه المقررات التي يقررونها.. فإن فقد العضو أو فقد وظيفته لا يستتبع فقد الوجود الخارجي للموجودات، التي كان من شأن العضو أن يتعامل معها، كما أن فقد الميت إحساسه بوجوده، لا ينفى أنه موجود بجسمه الذي يراه الأحياء المحيطون به.
وأحقّ من هذا، وأقرب إلى الصواب، أن يقال إن الأشياء هي التي تحقق للحواس والمدركات وجودها، لا أن الحواس والمدركات هي التي توجد الموجودات التي تتعامل معها.
ونعود إلى الحديث عما يقع يوم القيامة، من انقلاب في عالم الموجودات.
أهذا الانقلاب واقع حقيقة، أم هو من عمل الحواس الجديدة التي يعيش بها الإنسان في العالم الآخر؟.
يتحدث القرآن الكريم في أكثر من موضع، عن انفطار السماء، وانتثار الكواكب، وانطماس النجوم، وانكدارها، وتفجّر البحار، ودكّ الأرض والجبال، إلى غير ذلك مما يحدّث عن هذا الانقلاب الشامل الهائل الذي بغير معالم الأرض والسماء جميعا.
فيقول سبحانه وتعالى.
{إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} [1- 5: الانفطار] ويقول جل شأنه: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ} [1- 3: التكوير] ويقول سبحانه: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} [4- 5: القارعة] ويقول سبحانه: {يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ} [8- 9: المعارج] ويقول جل شأنه: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً} [18- 20:
النبأ].. ويقول سبحانه: {فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ} [8- 10: المرسلات] ويقول سبحانه: {فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ} [7- 10: القيامة] ويقول سبحانه: {فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ} [13- 16: الحاقة].
والذي ينظر في هذه الآيات الكريمة، يجد أنها تتحدث عن عوالم ثلاثة، يقع عليها التغيير والتبديل من أحداث القيامة.
العالم العلوىّ، والعالم الأرضى، والعالم الإنسانىّ.
ففى العالم العلوىّ: تنفطر السماء، وتنتثر الكواكب، وتتكور الشمس، وتنكدر النجوم، وتنفرج السماء، وتتشقق، ويخسف القمر، ويجمع الشمس والقمر.
وفى العالم الأرضى: تنفجر البحار، وتسيّر الجبال، وتكون كالعهن المنفوش، وتنسف نسفا، وتدكّ دكا.
وفى عالم الإنسان: تبعثر القبور، ويكون الناس كالفراش المبثوث، وتبرق أبصارهم، ويتدافعون أفواجا إلى المحشر.
البعث.. وعلى أية صورة يكون؟
فإذا أخذنا جانب الإنسان، وهو الذي تقع لعينيه هذه الأحداث التي تكون يوم القيامة، وجدنا أنه قد تغيّر فعلا، تغيرا يتناول طبيعته، كما يتناول الموقف الذي يرى الوجود منه.
فهو من حيث طبيعته، قد صار كائنا روحانيا، محلّقا فوق هذا العالم الأرضى، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ} [4: القارعة].. فالفراش حشرة طائرة، لطيفة الهيئة، دقيقة الجرم، هشة الجسم، تكاد تنخلع عن جسدها، وهى طائرة.
ومن إعجاز القرآن الكريم هنا أن الفراشة تمثّل الدورة الإنسانية كلها، من مولده، إلى مماته، إلى مبعثه من قبره، إلى طيرانه إلى محشره.
فهى تكون بيضة.. على حين يكون الإنسان نطفة.
ثم تكون دودة.. على حين يكون الإنسان وليدا، يتحرك في الحياة، أشبه بالدودة.
ثم تكون عذراء داخل الشرنقة.
على حين يكون الإنسان مقبورا في جدثه.
ثم تخرج من الشرنقة فراشة على حين يكون الإنسان قد خرج من قبره، كما تخرج الفراشة من الشرنقة، وقد تخلّقت لها أجنحة تسبح بها في الفضاء! ثم ماذا؟ وماذا؟ وماذا؟
لا جواب الآن.. إن القلم يضطرب في يدى، لما تملكنى من روعة هذا الجلال، ولما أخذنى من وجد ونشوة حيال هذا الإعجاز، الذي ألمح سنا برقه من بعيد، وأنا لا زلت على شاطئ هذا البحر الذي لا يحدّه البصر! وإنّى لأبخس نفسى حظّها، إن أنا انتزعتها الآن من هذه الحال التي لبستها من غبطة وحبور، في هذا المقام الكريم، لأصوّر بالقلم بعض ما ترى من جلال وروعة، ولأمسك ببعض ما وقع في الخاطر من رؤى ومشاهد بين يدى هذه المعجزة الباهرة القاهرة.
فلتأخذالنفس إذن حظها من تلك النشوة، وليرتشف القلب كأس هذه الخمر السماوية، قطرة قطرة.. حتى يرتوى!! فإذا كان لنا في غد صحوة من هذا الانتشاء، وإذا كان لنا في العمر غد نعيش فيه- كان لنا عودة إلى هذا الموقف، وكان لنا نظر مجدّد في تلك المعجزة، وكان لنا قول فيما يؤدّى إليه هذا النظر.
فإلى غد- إن شاء اللّه- وإلى ما يأذن اللّه لنا به، من فضله وإحسانه، حتى يستقيم للقلم طريقه، ويجد اليد القادرة على الإمساك به، والسيطرة على زمامه.
وكان صباح.... وكان مساء..!
وجاء صباح يوم آخر.. وقد هدأت موجات الجلال التي غشيت النفس بالأمس، وهأنذأ أمسك بالقلم، ولكن لا أجد شيئا مما كان يملأ صدرى من خواطر وتصورات!! فأين ذهب كل هذا؟ إنى لا أكاد أذكر شيئا مما كنت فيه بالأمس، بل لا أكاد أذكر فيم كنت.. وأحسب أن الأمر يحتاج إلى معاودة النظر في الآية الكريمة، نظرا مجدّدا يستجيش المشاعر، ويحرّك المدارك، ويبعث من جديد هذه النشوة التي خمدت، أو كادت.
ومن النظر في وجه الآية الكريمة: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ} تجد أن تشبيه الناس بالفراش المبثوث- كما أشرنا إلى ذلك من قبل- يمثل أكمل تمثيل وأدقه تلك الصورة التي يكون عليها الناس يوم القيامة، وأن حياة الفراشة من بدئها إلى نهايتها تمثّل حياة الإنسان من حال كونه نطفة إلى أن يولد، وينمو، ويقطع مسيرته في الحياة الدنيا، ثم إلى أن يموت، ثم يبعث في هيئة فراشة، كانت بيضة، ثم دودة، ثم عذراء ملففة في أكفان من الشرنقة، ثم تنشق عنها الشرنقة، فإذا هي فراشة!.
هذا ما وقفنا عنده- على ما أذكر- من قبل.
الناس إذن يكونون يوم القيامة كالفراش المبثوث- فحين يخرجون من الأجداث يطيرون في خفّة كما يطير الفراش المنطلق نحو النور والنار!.
ولكن إلى أين يطير هذا الفراش الآدمي؟
وإلى أين يطير الفراش الحشرى إذا رأى نارا، أو أحس ضوءا؟
إنه لا وجهة له حينئذ إلا هذه النار وهذا الضوء!! وكذلك الناس، أو الفراش البشرى، لا مورد لهم إلا هذه النار التي سعّرت وتأججت.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا} [71: مريم].
وما مصير هذا الفراش الحشرى المتدافع إلى النار؟ إنه يتقحمها، ويلقى بنفسه فيها، وكأنّ يدا قوية تدفعه إليها دفعا ليكون وقودا لها.. وقليل قليل هو الذي ينجو بنفسه، ويعدل بوجهه عن لهيبها.
كذلك شأن الفراش البشرىّ الوارد على نار جهنم، إنه وقود هذه النار إلا قليلا قليلا ممن أنجاهم اللّه منها، وكتب لهم الفوز بجنات النعيم، كما يقول سبحانه: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا} [72: مريم].
فهذا القليل هو الذي يقف في منطقة النور دون أن يتقحم النار.
وأما الكثير الغالب، فإنه يغشى في هذا الضوء فيهوى في جهنم.. إنه أعمى لا يرى إلى أين مساقه، لأنه حشر على ما كان في الدنيا من عمى: {قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى}.
فالهلكى في الآخرة كثيرون، والناجون قليل بل وأقل من القليل!! وأكاد أقول إن الناس سيكونون يوم القيامة على صورة الفراش حقيقة لا تشبيها، وذلك لهذا التوافق العجيب الدقيق بين الصورتين،- صورة الفراش الحشرى، وصورة الفراش البشرى- في الملامح، والألوان، والظلال.
ويتأكد هذا المفهوم، إذ نجد القرآن الكريم يلتزم هذا التشبيه في معرض آخر، من معارض البعث والنشور، فيقول سبحانه: {يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ} [7- 8: القمر].
فالجراد المنتشر، والفراش المبثوث.. صورتان متماثلتان في مرأى العين، وفى أطوار الحياة التي يتنقل فيها كلّ من الفراش والجراد!.
فالجراد يأخذ في خلقه وتطوره نفس المراحل التي يقطعها الفراش في مسيرة الحياة.
البيضة، فالدودة، فالعذراء، فالفراشة التي تطير.
والفراش كائن لطيف، رقيق، يكاد يكون من عالم الروح أكثر منه من عالم المادة.
وأما الجراد وإن كان أكثر كثافة من الفراش، فإن أجنحته- الكبيرة القويّة، تغلب كثافة جسده، فيطير بخفة أشبه بخفة الأرواح.
وفى الجمع بين الفراش المبثوث، والجراد المنتشر، تصوير معجز للصورة التي يبعث عليها الناس يوم القيامة.
ففى الناس: فراش، وجراد.. في الدنيا وفى الآخرة.
فالمؤمنون، يمثلون الفراش.. في لطفه، ورقته، ووداعته، ومواقعه في في الحياة، وتناوله من رحيق أزهارها، وطيّب ثمارها.. حيث هم زينة هذه الحياة الدنيا، وحيث لا يقع منهم أذّى على أحد، أو عدوان على شيء، بيد أو لسان.
والكافرون، والضالون، يمثلون الجراد في نهمه، وشراسته، وعدوانه على مواقع الخصب، فيفسدها، وو يحيلها جدبا.
وهكذا يبعث الناس، على ما كانوا عليه في الدنيا، من كان منهم على صورة الفراش، في اللطف، والوداعة، بعث على صورة الفراش، ومن كان منهم على هيئة الجراد، في الشراسة والنّهم، بعث على هيئة الجراد.
وأكثر من هذا، فإن الفراش قلّة قليلة بالنسبة لأعداد الجراد الكثيرة التي تتكاثر مواليدها وتتضاعف بين ساعة وأخرى.. وكذلك المؤمنون هم قلة في محيط الكافرين، والمشركين.. وهذا ما نامحه في قوله تعالى في وصف كل من الفراش والجراد.. فقد جاء وصف الفراش، بالبثّ:
{كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ}.
والبث، هو إذاعة الحديث الطيب في رفق، وعلى هينة، ولطف.. وجاء وصف الجراد بالانتشار: {كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ} والانتشار، إنما يكون في سرعة مجنونة، كما ينتشر الوباء في الناس، وكما تنتشر النار في الهشيم..!
ويكاد يصرفنا هذا الموقف الرائع المعجز، عن الموضوع الذي نعالجه، بل إنه ليكاد يغنينا عن النظر إلى ماوراءه، لما نالت النفس منه، من شبع ورىّ! ولكن وفاء بحق هذا البحث، نعود فنقول:
إنه بالنظر في حال للإنسان يوم القيامة، نجد في قوله تعالى عن هذا الإنسان يوم القيامة: {فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ} نجد في هذا إشارة إلى ما يقع لبصر الإنسان من تحول، يزداد به قوة خارقة في مجال الرؤية، حيث يامع كما يامع البرق، فيكشف بنوره المنبعث منه حقائق الأشياء، وينفذ إلى الصميم منها، وكأنه يراها لأول مرة، رؤية جديدة، تبدو فيها المفارقة بعيدة، بين ما يراها عليه الآن، وبين ما كان يراها عليه في الحياة الدنيا.. وفى هذا يقول اللّه تعالى: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [22: ق].
هذه صورة مجملة للإنسان يوم القيامة، ولموقفه من الموجودات في هذا اليوم.
فهو كائن سابح في عالم علوىّ، قد يبلغ في سبحه هذا، مدارج الكواكب والنجوم، ثم هو في هذا العلو السحيق يملك بصرا حديدا كاشفا لا يمكن تصوره.
ومن هذا الأفق العالي، وبهذا البصر الحديد النافذ، ينظر الإنسان إلى هذه الأرض التي كان يعيش فيها.. فيرى الأرض غير الأرض، والسماء غير السماء.
{يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ} [48: إبراهيم] إنه تبدل يقع في إحساس الإنسان نفسه، وفى معطيات بصره.
إنه يرى البحار وكأنها قد فجّرت، وفاضت مياهها.. إنه يرى البحر كله، وقد اشتمل على الكرة الأرضية وأحاط بها.
وإنه يرى الجبال وكأنها قد سيّرت، وهى في حقيقتها سائرة لا تتوقف، في دورتها مع دورة الأرض حول نفسها، كما يقول اللّه تعالى: {وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب} [88: النمل].. ويراها وكأنها وقد نسفت، وزايلت مواضعها من الأرض، شأن من ينظر إلى الأرض من علو شاهق، فتبدو له وكأنها سطح مستو لا أغوار فيه، ولا نجود.. ويراها من هذا العلو وكأنها العهن المنفوش، أشبه بذرات متطايرة فوق سطح الأرض.. ويراها، ويرى الأرض معها كرة معلقة في الفضاء، قد اندمج بعضهما في بعض، فصارا كيانا واحدا: {لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً} [107: طه].. {وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة} [14: الحاقة].
هكذا تبدو الجبال، على صور شتى، بين الصغر والكبر، وبين الظهور والخفاء، حسب الأفق الذي يشرف منه الإنسان عليها يومئذ.
ولقد أحسن الشاعر شوقى غاية الإحسان، في تصوير الطائرة، وهى تنطلق مصعّدة في السماء، وكلما ارتفعت كان لها في موقع البصر صورة، على غير سابقتها أو لا حقتها.. يقول شوقى:
ثم تسامت فكانت أعقبا فنسورا.. فصقورا.. فحماما أمّا السماء وعوالمها، فإنه يقع عليها من التبدل والتحول، في نظر الإنسان، ما وقع له في العالم الأرضى من تحول وتبدل.
إنه يرى السماء، التي- كانت تبدو له في دنياه سقفا صفيقا مصمتا- يراها، وقد فتحت فكانت أبوابا، وكانت فروجا، وإذا سقفها هذا قد بدا واهيا، لا يحول بينه وبين اختراق أجوائها إلى غير حدود.
{وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ}.
{وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً}.
{إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ}.
تلك هي السماء، كما يراها الإنسان، ويختبر تصعيده فيها.. أما هي في حقيقتها فهى هى، لم تتبدل، ولم تتحول..!
وحال أخرى من السماء، يجدها الإنسان في هذا اليوم، وهى ما جاء في قوله تعالى: {يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ}.
فهذه حال من السماء يجدها الإنسان، حين يرتفع إلى مواقع النجوم منها، فيجد لذلك مسّ حرارة هذه النجوم، ويشهد منها هذا الغليان والفوران المتأجج في كيانها.
إذ النجوم في حقيقتها عوالم من لظى يأكل بعضه بعضا.
أما النجوم والكواكب، فإنه يراها- كذلك- في أحوال شتى، حسب موقعه منها.. فيرى النجوم وقد انكدرت وطمست، واختفى ضوءها.. حيث أن هذا الضوء الذي نراه للنجوم، إنما هو من أثر هذا الغلاف الهوائى المحيط بالأرض.. فإذا خرج الإنسان من محيط هذا الغلاف لم يقع على بصره هذا الضوء اللامع الذي نراه لها.
كذلك يرى الكواكب، التي كان يراها في العالم الأرضى على مستوى واحد، متجاورة كما تتجاور حيات العقد- يراها متناثرة، كل واحد منها عالم يدور في فلك، بينه وبين النجوم الأخرى آماد بعيدة، تقدر مسافاتها بالألوف والملايين من السنين الضوئية!.
والشمس- وهى نجم من تلك النجوم- تبدو كرة ملتهبة، لا شعاع فيها، لأن هذا الشعاع الذي نراه منها، هو- كما قلنا- أثر من الغلاف الهوائى المحيط بالأرض.. فإذا خرج الإنسان من دائرة هذا الغلاف لم يكن لهذه الأشعة وجود في مرأى العين.
أما قوله تعالى: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} فهو أيضا أثر من آثار خروج الإنسان يوم القيامة من عالم الأرض.. حيث يرى الشمس شمسا، والقمر قمرا، في حال واحدة، لا يحكم رؤيته لهما، ليل أو نهار.
هذه وقفة قصيرة غاية القصر مع تلك المشاهد التي يراها الإنسان يوم القيامة، من عوالم الوجود.. ولو أننا ذهبنا نتقصّى وجوه النظر المختلفة، لخرج بنا ذلك عن المنهج الذي التزمناه، في هذا التفسير لكتاب اللّه.
بقيت كلمة لابد منها في التعقيب على هذا البحث، وهى، الإجابة على هذا السؤال:
هل يكون البعث بالأجساد، أو الأرواح؟.
وهذه قضية كثرت فيها الأقوال وتضاربت الآراء، ولا نحسب أن إجابتنا على هذا السؤال بالذي يحسم الأمر، ويرفع الخلاف فيها، بل إنه ربما وسّع من شقة الخلاف، وأضاف إلى المقولات المتخالفة مقولة! ومع هذا، فإن إمساكنا عن القول في هذه القضية، لا يخفف من حدة الخلاف فيها، ولا يمسك ذوى الآراء عن الخوض في تلك القضية، التي هي وسواس كل خاطر، وامتدا كل نظر إلى الحياة، وما وراء الحياة.
فنقول إننا نرجح الرأى القائل بأن البعث يكون بالأرواح لا بالأجسام.
ولنا في قوله تعالى: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ}، وقوله سبحانه:
{يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ} لنا في هذا شاهد نلمح منه صورة الحياة التي يكون عليها الناس يوم القيامة، وهى أنها حياة أشبه بحياة الطير، حيث ينطلق الناس في العوالم العليا، إلى حيث الكواكب والنجوم.
والأرواح الإنسانية التي نلمحها من الآبتين الكريمتين، ليست أرواحا مجردة، بل هي أرواح، تلبس أجسادا شفافة، هي قوالب روحانية، على هيئات بشرية يعيش فيها الناس.. وهى ما يسمى بالنفس، التي هي وسط بين الروح، والجسد.
قوله تعالى: {هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ}.
فى الإشارة إلى النار، دعوة لأهلها إلى ورودها، ونزولهم ضيوفا عليها، ليطعموا مما تقدّمه لهم من زاد عتيد تلقاهم به، وتغاديهم وتراوحهم بصنوفه وأكوانه..!!
وفى الدعوة إلى هذا المكروه، مزيد من الاستهزاء والإيلام لهؤلاء الأشقياء، الذين يساقون إلى هذا العذاب الأليم.. مثل قوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}.
وقوله تعالى: {أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ}؟
هو عرض على أسماع هؤلاء المجرمين المكذبين باليوم الآخر- لتلك المقولات الهازئة الساخرة التي كانوا يقولونها عن البعث، والحساب، والجزاء.. وكان من مقولاتهم تلك، اتهام النبي بالكذب، وبالسحر، وأن ما يحدثهم به عن اليوم الآخر ليس إلا من قبيل الشعوذة والخداع!.
فهم يسألون هذا السؤال التقريعيّ، الذي لا يجدون له جوابا إلا الإبلاس والوجوم، وإلا الحسرة القاتلة، والنّدم الأسود الكئيب!.
{أَفَسِحْرٌ هذا} أي أهذا العذاب الذي، تساقون إليه، والذي كان يتلوه عليهم من آيات اللّه- أسحر هو؟
وإنه لأسلوب من أساليب العقاب، أن يوقف المجرم على جسم جريمته، وأن يواجه بها، وأن يذكر بها حالا بعد حال، وخاصة إذا كان بين يدى السلطان القاهر الذي يأخذه بجريمته ويوقّع عليه الجزاء الذي يستحقه، فإن جريمته هي التي ساقته إلى هذا البلاء الذي هو فيه، وإنها لهى العدوّ الذي ألقاه في التهلكة!.
وفى قوله تعالى: {أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ} هو زيادة في إبلامهم بأن ينظروا في هذا العذاب، وأن يملأوا عيونهم منه، قبل أن يذوقوه بأجسامهم، ويلبسوه ثيابا تقطّع لهم من تلك النار الموقدة أمام أعينهم.
قوله تعالى: {اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.
هو دعوة أخرى لهؤلاء المكذبين، إلى تذوق ما في هذه النار التي دعوا إليها، ونزلوا بساحتها، وإنه لا شيء هناك إلا نارا تشوى الوجوه، وتهرى الأجسام، وإلا مهلا يغلى في البطون كغلى الحميم.
فليأخذوا ما تقدّم لهم النّار من ضيافة نكدة، وليصبروا على تجرّع هذه الغصص، أولا يصبروا، فإنه لا مفرّ لهم من أن يشربوا من هذه الكأس التي لا تنضب، ولا معدل لهم عنها، صبروا أولم يصبروا.
فالأمر بالنسبة إليهم سواء.. إنهم في قيد العذاب: {فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ} [24: فصلت].